وَهَم ريادة الأعمال: ما هكذا تورد الابل

وَهَم ريادة الأعمال: ما هكذا تورد الابل

ترددت كثيراً في كتابة هذه الخاطرة عن ريادة الأعمال، لهذا اتمنى أن يتسع صدركم وأن لا يفهم أدناه بأنه وجهة نظر مضادّة، حيث يستلزم الوضع الراهن وضع بعض النقاط على الحروف.

بداية، حاضنات الأعمال هي مراكز تحفّز على احتضان الرياديين وأفكارهم وتحويلها إلى مشاريع على أرض الواقع، حيث ظهرت فكرة حاضنات الاعمال بداية الخمسينات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عندما شهد اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية زيادة في معدلات البطالة، وتعطلت المصانع الكبيرة التقليدية، وظهرت مؤشرات على الكساد الاقتصادي، وقد أدى ذلك إلى إنشاء أول حاضنة أعمال عام 1956.

كل ما سبق محمود لكن في بلادنا ترى العجب العجاب، حيث يتم تحشييد الشباب وتوجيههم نحو ريادة الاعمال وتسويقها لهم كما لو أنها "طاقة القدر" ويرسخون في عقولهم مقولة تافهة: "فقط ضع في عقلك هدف وسوف تحققه"! ويسلبون عقولهم وحلمهم في الانعتاق من البطالة والعوز بكلمات رنانة مثل: الشغف، الدافع، برمج عقلك ... الخ، ولا توجد جهة حكومية تردع هؤلاء وتقول لهم ما هكذا تورد الابل، بل على العكس يطبّلون ويزمّرون لها لانها تُلهي الشباب دون المطالبة بالتشغيل والعمل، يسردون لهم تجارب عمالقة وادي السيلكون من مارك زوكربيرج الى غيتس وغيره، وكأن بيل غيتس قد (نفخ) في فكرته وتحولت مباشرة بسرعة البرق إلى مايكروسوفت. نعم هناك ريادة أعمال لكن تلعب بيئة الاعمال وشخصية الريادي وعبقريته في تسويق فكرته في نجاحه من عدمه.

دولياً، تشير بعض التقارير الى تبديد مليارات الدولارات من مدخرات المعوزين بعد تعويم فكرة حاضنات الاعمال، استهدفت الحملة الاعلامية المصاحبة كثير من الشباب العاطلين عن العمل، واقبلوا على تنفيذ مشروعات صغيرة بما لديهم من رأس مال بسيط (الحيلة والفتيلة)، لكن كما تقول تلك التقارير ان نسبة المشروعات التي نجحت مقارنة بنسبة المشروعات التي فشلت قليلة جداً، مثلاً كم من التطبيقات المشابهة لواتس اب نجحت؟ قليلة جداً أو حصتها السوقية ضئيلة، وهنا يظهر سؤال أخر: لماذا نجح تطبيق واتس اب اصلاً رغم ان هناك تطبيقات افضل منه بكثير ولم تلق تلك الشهرة؟ حقيقة هذا الموضوع يطول ولكن هناك ادعاء يقول ان هناك عملية ممنهجة لوأد الافكار او الاستحواذ عليها عن طريق الشركات العملاقة، وقد تستفيد تلك الامبراطوريات الضخمة منها في تطوير عملها (وهذا محمود) لكن كثير من هذه الافكار يُستحوَذ عليها لكن لا ترى النور ابداً مما يعني ان عملية وأد حقيقية قد تمت بغرض السيطرة لا النفع، وتتهم هنا شركة غوغل (مثلاً) بالمساهمة في عملية "الوأد" لانها تُظهر في نتائج البحث المتصدرة فقط تلك الشركات الممولة باعلانات Google Ads وهي مشاريع قد لا يستطيع رواد الاعمال مجاراتها في ميزانياتها الاعلانية اذا ما أُحسن الظن انهم يعرفون (بعض رواد الأعمال) كيفية الاستهداف وقيادة حملتهم التسويقية.

عربياً، بُددت مليارات الدولارات على تنمية العمل الريادي وادعوا انها استثمار، لكنها في الواقع لم تكن سوى تبديد غير مجدي لاسباب عديدة، حيث هدفت الحكومات أن "تُلهي" الشباب بموضة ريادة الاعمال عبر التدريب والورشات والتي استهلكت مبالغ كبيرة جداً، وللأسف عندما ينتهي رائد الأعمال من تدريبه وتجهيز فكرته الاستثمارية، وبعد جهد جهيد يتم تقديمها للممولين ولا تحصل على التمويل اللازم، وهنا امامنا حالتين: اما ان يخسر هذا الشاب وقته وجهده ويحصد ريح الاحباط، ليتحول لاحقاً الى قنبلة موقوتة ناقماً على المجتمع، او في الحالة الثانية قد يضطر الى (تقشيط) مدخرات أهله ومحيطه الاجتماعي من اجل تجميع رأس المال وليخاطر به وندخل المتاهة من جديد: من ينجح (وهم قلة) يحصد الملايين، ومن يفشل يحبط اهله ومحيطه ويتحول الى ناقم مشحون بالعنف الذي غذته كذبة: فليكن لديك هدف وشغف وستصل.