تعرف على منهج Backcasting في التخطيط الاستراتيجي، نشأته، تطوره، واستخداماته في تصميم المستقبل، مع إطار احترافي للتطبيق في التحولات المؤسسية بعيدة المدى.
منهج قيادي لتصميم المستقبل انطلاقاً من نهايته
في عالم يتسم بتسارع التحولات التكنولوجية، والاضطرابات الاقتصادية، والتغيرات المجتمعية المتلاحقة، لم يعد التخطيط الاستراتيجي القائم على امتداد الماضي قادراً وحده على توجيه المؤسسات نحو مستقبل مختلف نوعياً. كثير من الاستراتيجيات التقليدية تنطلق من تحليل الوضع الحالي ثم تبني عليه تدريجياً، لكنها تبقى أسيرة قيود الواقع القائم. هنا يبرز Backcasting أو التفكير العكسي الاستراتيجي كمنهج متقدم يمكّن القادة من كسر هذا القيد؛ إذ يبدأ التفكير من صورة مستقبلية مرغوبة بوضوح — قد تكون بعد عشر أو عشرين سنة — ثم يعمل بشكل عكسي لتحديد المسارات والقرارات التي يجب اتخاذها اليوم للوصول إلى ذلك المستقبل. هذا التحول من سؤال “إلى أين سنصل إذا استمررنا بهذا المسار؟” إلى سؤال “ما المستقبل الذي نريد صنعه؟” يجعل Backcasting أداة تصميم استراتيجي، لا مجرد أداة توقع.
نشأة مفهوم Backcasting وتطوره
نشأ مفهوم Backcasting في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين داخل مجتمعات التخطيط البيئي والاستدامة، حيث كان من الواضح أن الاتجاهات القائمة في استهلاك الطاقة والموارد لن تؤدي إلى مستقبل مستدام. من أوائل من طوّروا هذا النهج الباحث السويدي كارل-هنريك روبرت (Karl-Henrik Robèrt) في إطار مؤسسة The Natural Step، التي استخدمت Backcasting لتحديد مستقبل بيئي مستدام ثم العمل عكسياً لتوجيه السياسات والقرارات الحالية.
لاحقاً تبنّت مدارس الاستشراف الاستراتيجي، مثل برامج MIT Sloan ومساهمات في Harvard Business Review، هذا المفهوم ووسعته خارج نطاق الاستدامة ليصبح أداة في التحول المؤسسي، والتخطيط طويل المدى، وصياغة الاستراتيجيات في بيئات عالية عدم اليقين. اليوم يُستخدم Backcasting في مجالات مثل التحول الرقمي، الطاقة، الصحة، والسياسات العامة.
ما هو Backcasting؟
يمثل التفكير العكسي الاستراتيجي Backcasting منهج تخطيط معياري (Normative Planning) يقوم على:
تحديد مستقبل مستهدف بوضوح
وصف خصائص المؤسسة في ذلك المستقبل (قدرات، نماذج أعمال، ثقافة، تقنيات)
تحليل الفجوة بين الحاضر وذلك المستقبل
العمل عكسياً لتحديد المسارات المرحلية اللازمة
هو لا يسأل “ماذا سيحدث؟” بل يسأل: “ما الذي يجب أن نبدأ به اليوم حتى نصنع المستقبل الذي نريده؟”
الفرق بين Backcasting والنماذج الاستراتيجية الأخرى
المنهج
طبيعة التفكير
نقطة البداية
الهدف
Forecasting
تنبؤي
الحاضر
توقع المسار المحتمل
Scenario Planning
استكشافي
الحاضر
استيعاب عدة احتمالات
Roadmapping
تخطيطي مرحلي
الحاضر
ترتيب خطوات التطوير
Backcasting
معياري تصميمي
المستقبل
بناء مستقبل مرغوب
Backcasting يتميز بأنه يصنع الاتجاه بدلاً من افتراضه.
متى يكون التفكير العكسي الاستراتيجي Backcasting هو الخيار الأنسب؟
يصبح التفكير العكسي ضرورياً عندما:
تكون الأهداف بعيدة المدى وتتطلب تحولاً جذرياً
تكون الاتجاهات الحالية غير كافية لتحقيق الطموح
تحتاج المؤسسة إلى إعادة تصميم نموذج أعمالها
يكون المستقبل محكوماً بعدم يقين عالٍ
تكون الاستراتيجية مرتبطة بالاستدامة أو الابتكار الجذري
يبدأ التطبيق الفعّال لـ Backcasting بتحديد رؤية مستقبلية دقيقة وقابلة للوصف والقياس. ثم يتم إجراء تحليل فجوة استراتيجي يحدد الفروق بين الحاضر والمستقبل. بعد ذلك يُبنى مسار عكسي مقسّم إلى مراحل انتقالية، بحيث يتم تحديد إنجازات مفصلية في كل مرحلة. يتم تحديد القرارات المبكرة الحاسمة التي تغيّر اتجاه المؤسسة، ثم تُعاد مواءمة الاستثمارات والسياسات الحالية مع المسار المستقبلي. وأخيراً يتم اعتماد مؤشرات أداء مستقبلية تقيس القرب من الصورة النهائية، مع مراجعة دورية مرنة للمسار دون التخلي عن الوجهة.
أمثلة تطبيقية على Backcasting
في الطاقة: استخدمت دول إسكندنافية Backcasting لتحديد مستقبل منخفض الكربون بحلول 2050، ثم صممت سياسات الطاقة الحالية بناءً على ذلك المستقبل.
في الرعاية الصحية: بعض الأنظمة الصحية تحدد نموذج رعاية رقمية متكامل مستقبلاً، ثم تعود لتطوير البنية التحتية الرقمية والمهارات واللوائح تدريجياً.
في الشركات: شركات تسعى للحياد الكربوني أو التحول الرقمي الشامل تبدأ بتصور نموذجها المستقبلي بالكامل ثم تعيد ترتيب قراراتها الحالية.
العلاقة بين Backcasting والاستشراف الاستراتيجي
التفكير العكسي الاستراتيجي Backcasting يُعد جزءاً من عائلة أدوات Strategic Foresight، لكنه يختلف في كونه يركز على المستقبل المرغوب لا فقط المحتمل. وغالباً ما يُستخدم مع أدوات أخرى مثل السيناريوهات لاستكشاف السياقات المحتملة التي قد تؤثر على المسار.
يمثل Backcasting تحولاً جذرياً في عقلية القيادة الاستراتيجية؛ فهو لا يقيّد التفكير بحدود الواقع الراهن، بل يفتح المجال لتصور مستقبل مختلف نوعياً ثم تحويل هذا التصور إلى مسار عمل واقعي. نشأ المفهوم في حقل الاستدامة حين أدرك الباحثون أن الاتجاهات القائمة لا تقود إلى مستقبل قابل للحياة، ثم تطور ليصبح أداة مركزية في التحولات المؤسسية بعيدة المدى. في بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين المتزايد، يتيح Backcasting للقادة الانتقال من إدارة التغيير إلى قيادة التغيير المقصود، ومن رد الفعل إلى التصميم المتعمد. المؤسسات التي تخطط انطلاقاً من الحاضر غالباً ما تصل إلى تحسينات تدريجية، أما المؤسسات التي تخطط انطلاقاً من المستقبل فلديها فرصة الوصول إلى وضع جديد بالكامل. لذلك فإن Backcasting ليس مجرد تقنية تخطيط، بل ممارسة قيادية استراتيجية تعيد تعريف العلاقة بين الحاضر والمستقبل، وتجعل من الرؤية بعيدة المدى نقطة الانطلاق لكل قرار استراتيجي اليوم.
مشاركة:
يُعد الدكتور عبد الرحمن الجاموس خبيراً في الاستراتيجية، وأكاديمي، ومدرّب، ومؤلف، يتمتع بخبرة مهنية تمتد لأكثر من عشرين عاماً في تطوير القوى العاملة، بناء القدرات القيادية، التحول المؤسسي والجاهزية المستقبلية، وبناء مسارات قيادية فعّالة، وتحقيق أثر قابل للقياس ومستدام.
يُعد الدكتور عبد الرحمن الجاموس خبيراً في الاستراتيجية، وأكاديمي، ومدرّب، ومؤلف، يتمتع بخبرة مهنية تمتد لأكثر من عشرين عاماً في تطوير القوى العاملة، بناء القدرات القيادية، التحول المؤسسي والجاهزية المستقبلية، وبناء مسارات قيادية فعّالة، وتحقيق أثر قابل للقياس ومستدام.