الهدوء المتعمد تحت الضغط  Deliberate Calm

بواسطة د. عبد الرحمن الجاموس
30 Jan, 2026
الهدوء المتعمد تحت الضغط  Deliberate Calm

الهدوء المتعمد تحت الضغط  Deliberate Calm

عندما يحافظ القائد على اتزانه، فإنه يخلق بيئة تسمح بالتفكير الواضح، واتخاذ القرارات الرشيدة، والعمل بثقة رغم الضغوط. أما عندما يفقد هذا الاتزان، فإن الاضطراب العاطفي ينتقل بسرعة ويقوّض الأداء الجماعي. تعرف على مفهوم الهدوء المتعمد تحت الضغط ولماذا يُعد مهارة قيادية استراتيجية في الأزمات، مع إطار عملي يساعد القادة على الحفاظ على الاتزان وتحسين جودة القرارات.

لماذا يُعد الهدوء سلوكاً قيادياً استراتيجياً في أوقات الأزمات؟

في أوقات الاضطراب، لا تبحث الفرق عن القائد الأكثر معرفة فقط، بل عن القائد الأكثر اتزاناً. فبينما تتسارع الأحداث وتتصاعد الضغوط، يصبح سلوك القائد العاطفي عاملاً حاسماً في استقرار المؤسسة. من هنا يبرز مفهوم الهدوء المتعمد تحت الضغط (Deliberate Calm) بوصفه مهارة قيادية استراتيجية، لا مجرد سمة شخصية. الهدوء المتعمد لا يعني غياب القلق، ولا تجاهل خطورة الموقف، بل يعني قدرة القائد على إدارة استجابته الداخلية بحيث ينقل الطمأنينة بدلاً من الذعر، والوضوح بدلاً من الارتباك، والثقة بدلاً من التوتر.

ما هو الهدوء المتعمد؟

الهدوء المتعمد هو سلوك قيادي مقصود يظهر في اللحظات التي يكون فيها الضغط مرتفعاً، ويقوم على:

  • ضبط الانفعال بدلاً من الانجراف معه
  • التفكير المنهجي قبل الاستجابة
  • بث الطمأنينة في الفريق حتى في ظل الغموض
  • اتخاذ قرارات متزنة رغم الضغوط

إنه ليس هدوءاً طبيعياً فطرياً فقط، بل مهارة يتم تطويرها بوعي عبر التدريب الذهني والانضباط العاطفي.

لماذا يُعد هذا المفهوم مهماً الآن؟

العالم المؤسسي اليوم يعمل في بيئة تتسم بـ:

  • عدم اليقين المستمر
  • التغيرات السريعة
  • الأزمات المفاجئة
  • الضغوط التشغيلية المتزايدة

في مثل هذه البيئات، تنتقل المشاعر بسرعة داخل الفرق. القائد القَلِق يُنتج فريقاً قلقاً، والقائد المتزن يُنتج فريقاً أكثر ثباتاً. لذلك يصبح الهدوء المتعمد أداة قيادية لحماية الأداء الجماعي.

كيف يؤثر الهدوء القيادي على المؤسسة؟

عندما يُظهر القائد هدوءاً متعمداً تحت الضغط، تنعكس آثاره على عدة مستويات:

✔ انخفاض التوتر الجماعي داخل الفرق
✔ تحسن جودة التفكير واتخاذ القرار
✔ ارتفاع الثقة في القيادة
✔ تقليل ردود الفعل العاطفية المبالغ فيها
✔ تعزيز ثقافة الاستقرار النفسي في بيئة العمل

الهدوء هنا ليس سلوكاً شخصياً فحسب، بل عامل استقرار تنظيمي.

الفرق بين الهدوء الطبيعي والهدوء المتعمد

الهدوء الطبيعي قد يكون سمة شخصية، أما الهدوء المتعمد فهو قرار قيادي. القائد قد يشعر بالقلق داخلياً، لكنه يختار بوعي أن يدير استجابته وأن يظهر اتزاناً يخدم الفريق والموقف.

هذا الوعي يجعل الهدوء أداة تأثير، وليس مجرد طبع شخصي.

الإطار الاحترافي لتطوير الهدوء المتعمد

أولاً، تنمية الوعي الذاتي. القائد الهادئ لا يقمع مشاعره، بل يدركها مبكراً ويديرها قبل أن تنعكس على سلوكه.

ثانياً، إبطاء الإيقاع عند ارتفاع الضغط. التوقف القصير قبل الرد أو القرار يمنح العقل فرصة للانتقال من رد الفعل العاطفي إلى التفكير الواعي.

ثالثاً، الفصل بين الشعور والسلوك. يمكن للقائد أن يشعر بالضغط داخلياً، لكن يختار سلوكاً خارجياً متزناً يطمئن الفريق.

رابعاً، التواصل بلغة الاستقرار. نبرة الصوت، واختيار الكلمات، وطريقة عرض المعلومات جميعها تنقل إشارات نفسية للفريق حول مستوى الأمان.

خامساً، بناء طقوس استعادة الاتزان مثل التنفس العميق، أو فترات التفكير القصيرة، أو المشي الهادئ قبل الاجتماعات الصعبة.

سادساً، ترسيخ ثقافة مؤسسية تشجع على التوازن العاطفي، بحيث لا يُكافأ الذعر ولا تُعزَّز ردود الفعل المتسرعة.

مثال تطبيقي

في أثناء أزمة تشغيلية مفاجئة، يتلقى الفريق أخباراً مقلقة تؤثر على سير العمل. القائد الذي يظهر ارتباكاً أو غضباً يزيد من توتر الجميع. في المقابل، القائد الذي يتحدث بهدوء، يعترف بالتحدي، ويعرض خطوات واضحة، ينقل شعوراً بالسيطرة ويمنح الفريق مساحة للعمل بفعالية.

الفارق بين الحالتين ليس في حجم الأزمة، بل في استجابة القائد لها.

 

الهدوء المتعمد تحت الضغط ليس ترفاً سلوكياً، بل ضرورة قيادية في عالم يتسم بعدم اليقين. فالقائد لا يدير الأحداث فقط، بل يدير المناخ النفسي الذي تعمل فيه فرقته. عندما يحافظ القائد على اتزانه، فإنه يخلق بيئة تسمح بالتفكير الواضح، واتخاذ القرارات الرشيدة، والعمل بثقة رغم الضغوط. أما عندما يفقد هذا الاتزان، فإن الاضطراب العاطفي ينتقل بسرعة ويقوّض الأداء الجماعي. القادة العظماء لا يُقاسون فقط بقدرتهم على حل المشكلات، بل بقدرتهم على تنظيم الطاقة العاطفية للموقف. الهدوء المتعمد هو ما يسمح للقيادة بأن تبقى مصدر ثبات حين يصبح كل شيء آخر متحركاً.

 

مشاركة:
Author

يُعد الدكتور عبد الرحمن الجاموس خبيراً في الاستراتيجية، وأكاديمي، ومدرّب، ومؤلف، يتمتع بخبرة مهنية تمتد لأكثر من عشرين عاماً في تطوير القوى العاملة، بناء القدرات القيادية، التحول المؤسسي والجاهزية المستقبلية، وبناء مسارات قيادية فعّالة، وتحقيق أثر قابل للقياس ومستدام.

آخر المشاريع
ابحث هنا
تحتاج مساعدة؟ نحن هنا لمساعدتك
احجز استشارة مجانية

كبسولات ذات صلة

بواسطة د. عبد الرحمن الجاموس

التفكير العكسي الاستراتيجي Backcasting

بواسطة د. عبد الرحمن الجاموس

الإرهاق القراري للقادة Decision Fatigue

بواسطة د. عبد الرحمن الجاموس

إدارة العبء المعرفي

اشترك في النشرة البريدية

ابق على اطلاع
بآخر الأخبار!

العربية الإنجليزية